وهبة الزحيلي

246

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

قد قاموا لا قاموا ، وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا ، وقالوا في حق الأذان : لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم ، فمن أين لك صياح مثل صياح العير ؟ فما أقبحه من صوت ، وما أسمجه من أمر . وعن مشروعية الأذان قال العلماء : ولم يكن الأذان بمكة قبل الهجرة ، وإنما كانوا ينادون : « الصلاة جامعة » فلما هاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان ، وبقي « الصلاة جامعة » للأمر يعرض كصلاة الجنازة وصلاة العيد وصلاة الكسوفين . وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد أهمه أمر الأذان حتى أريه عبد اللّه بن زيد ، وعمر بن الخطاب ، وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنهم . وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سمع الأذان ليلة الإسراء في السماء . ثم أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بلالا فأذّن بالصلاة أذان الناس اليوم . وزاد بلال في الصبح : « الصلاة خير من النوم » فأقرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . والأذان من شعائر الإسلام ، وهو العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا بعث سرية قال لهم : « إذا سمعتم الأذان فأمسكوا وكفّوا ، وإن لم تسمعوا الأذان فأغيروا - أو قال : فشنوا الغارة » . لذا قال عطاء ومجاهد والأوزاعي وداود : الأذان فرض ، ولم يقولوا على الكفاية . وقال مالك : إنما يجب الأذان في المساجد للجماعات حيث يجتمع الناس ، ثم اختلف أصحابه على قولين : أحدهما - سنة مؤكدة واجبة على الكفاية في المصر ونحوه من القرى . والثاني - هو فرض على الكفاية . وحكى الطبري عن مالك قال : إن ترك أهل مصر الأذان عامدين ، أعادوا الصلاة . واتفق الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري على أن المسافر إذا ترك الأذان عامدا أو ناسيا أجزأته صلاته ، وكذلك لو ترك الإقامة عندهم ، وهم أشد كراهة لتركه الإقامة ، أي فهما سنة مؤكدة .